أحمد بن محمود السيواسي
39
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
لأنه دعوى الشيء ببينة « 1 » ، والواو في ( وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ) للحال ، أي والحال أنكم عالمون بأنكم كنتم نطفا بلا روح في أصلاب آبائكم ، وقد يطلق لعادم الحياة ميت كقوله « بَلْدَةً مَيْتاً » « 2 » ، ولما كان الاحياء عقيب الموت بغير تراخ أورد الفاء في ( فَأَحْياكُمْ ) في أرحام أمهاتكم ثم في دنياكم ، وهذا إلزام لهم بالبعث ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) عند انقضاء آجالكم ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) للبعث يوم القيامة ( ثُمَّ إِلَيْهِ ) أي إلى اللّه ( تُرْجَعُونَ ) [ 28 ] في الآخرة ، يعني تصيرون إلى إرادته ومشيته تعالى ، فتجزون بأعمالكم لا أنه في جهة فترجعون إليها لكونه مستحيلا عليه ، وعلم « 3 » ذلك حاصل لكم بالدلائل الموصلة إليه ، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه ، وإنما أورد « ثُمَّ » في المواضع « 4 » الثلاثة لتصور التراخي فيها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) فلما سمعوا البعث وقالوا « 5 » من يستطيع أن يحيينا بعد الموت ؟ نزل قوله « 6 » ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ) أي قدر لأجلكم وانتفاعكم دينا ودنيا ( ما فِي الْأَرْضِ ) أي الذي فيها من الأشياء ( جَمِيعاً ) نصب على الحال من الموصول الثاني ، وهذا حجة لمن استدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة إلى أن يمنع الشارع ما يمنع منها ، وقيل : اللام للتعريف لا للتخصيص « 7 » ، فالمعنى : أن اللّه تعالى خلق لكم الأرض وما فيها لتعملوا لمعاشكم ومعادكم ، وتستدلوا بها على صانعكم وتوحيده . ( ثُمَّ اسْتَوى ) أي قصد بمشيته بعد خلق الأرض من غير قصد خلق شيء آخر ، وقيل : صعد أمره ، وهو قوله « كُنْ » « 8 » فكان « 9 » ( إِلَى السَّماءِ ) أي خلقها ، وهي جمع سماوات جمع سمأة « 10 » تكسيرا ، ولذا جعل الضمير العائد إليها في ( فَسَوَّاهُنَّ ) جمعا ليحصل المطابقة بينهما لفظا ، أي خلقهن مستويات من غير خلل فيهن أو السماء مفرد ، والضمير فيه مبهم فسر بقوله ( سَبْعَ سَماواتٍ ) نصب تمييز ، نحو ربه رجلا ، وقيل : معناه صيرهن « 11 » ، ف « سَبْعَ » مفعول ثان ل « سوى » ، و « ثم » فيه لتفخيم شأن منزلة السماء ، وتفصيله على شأن الأرض لا للتراخي في الوقت ، ولا يناقضه قوله تعالى « وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » « 12 » ، لأن الدحو البسط ، وهو متأخر عن خلق جرم الأرض الذي تقدم « 13 » على خلق السماء ، روي : « خلق اللّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر ، عليها دخان ملتزق بها ، ثم أصعد الدخان ، وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها ثم بسط منها الأرض » « 14 » ، وقيل : إن « 15 » الأرض كانت حشفة تحت الكعبة « 16 » ، أي أكمة ، فلما خلق السماء بسط الأرض بعد خلقها ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ 29 ] أي محيط بكل خلق مجملا ومفصلا ، وال « عَلِيمٌ » هو الذي كمل علمه ، ويجيء بمعنى المعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 )
--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 60 . ( 2 ) الزخرف ( 43 ) ، 11 ؛ ق ( 50 ) ، 11 . ( 3 ) وعلم ، ب س : وعلمه ، م . ( 4 ) المواضع ، س م : مواضع ، ب . ( 5 ) وقالوا ، ب : قالوا ، س م . ( 6 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 106 . ( 7 ) لعل المؤلف اختصره من الكشاف ، 1 / 61 . ( 8 ) البقرة ( 2 ) ، 117 ؛ آل عمران ( 3 ) ، 47 ؛ الأنعام ( 6 ) ، 73 ؛ النحل ( 26 ) ، 40 ؛ مريم ( 19 ) ، 35 ؛ يس ( 36 ) ، 82 ؛ غافر ( 40 ) ، 68 . ( 9 ) أخذ المؤلف هذا المعنى عن السمرقندي ، 1 / 107 . ( 10 ) سمأة ، س : سماوة ، ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 61 . ( 11 ) ولم أجد له أصلا في المصادر . ( 12 ) النازعات ( 79 ) ، 30 . ( 13 ) تقدم ، ب : مقدم ، س م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 61 . ( 14 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 1 / 61 . ( 15 ) إن ، س م : - ب . ( 16 ) راجع في هذا الموضوع إلى تفسير قوله « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى » ، رقم الآية ( 6 ) من سورة طه .